في بيت عالم: الشيخ الفاضل سيدي محمد بنعليلو

حطت قافلة المجلس العلمي المحلي لإقليم الفحص أنجرة في بيت العالم الجليل والشيخ الفاضل سيدي محمد بنعليلو أحد أبناء منطقة أنجرة الأبرار، وسليل بيت من بيوتات العلم والقراءات بمنطقة أنجرة.
وقد جاءت هذه الزيارة في إطار برنامج (في بيت عالم) والذي يروم التعريف بالشخصيات العلمية بالمنطقة، والوقوف عند التجارب الرائدة لهؤلاء الشخصيات ومواقفهم الإنسانية ومبادراتهم العلمية الهادفة إلى نشر المعرفة بين أبناء المنطقة وأبناء الوطن عموما.
ولد الشيخ المحتفى به عام 1359 للهجرة الموافق لسنة 1939 للميلاد بقرية بني حلو ناحية خميس أنجرة في بيت علم وقراءات حيث تعهده والده بالرعاية والتربية إلى أن دخل الكتاب، شأنه شأن أقرانه من أبناء البادية حيث درس القرآن الكريم أولا على الفقيه محمد الرنبوق وغيره من الفقهاء والمدررين، وبعد أن أتم حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، شرع في دراسة مختلف العلوم اللغوية والعقلية والشرعية من نحو وصرف وبلاغة ومنطق وفقه وأصول وحديث وتفسير وغير ذلك من العلوم على والده العلامة الفقيه سيدي عبد السلام بنعليلو، ولما اشتد عوده في العلوم الشرعية وغيرها شد الرحال إلى مدينة تطوان حيث انتمى إلى المعهد الديني سنة 1960م، وهنالك التقى ببعض كبار علماء المدينة ومنهم محمد بن تاويت، والشاعر الكبير محمد الحلوي، والفقيه العلامة محمد التهامي الوزاني وأخوه العلامة محمد الوزاني، والعلامة محمد المعداني، والعلامة الشتيوي الكبير، والعلامة محمد المسناوي الريفي، والعلامة عبد الرحمان الأزمي، والمحقق سعيد أعراب، والعلامة العربي اللوه، والفقيه العياشي الزباخ، والعلامة مزيان، والعلامة إدريس خليفة، وغيرهم من العلماء الذين درسوه مختلف العلوم اللغوية والشرعية والعقلية.
وبعد أن أنهى دروسه بالمعهد الديني التحق بكلية أصول الدين ومنها التحق بسلك التعليم، حيث اشتغل بعدد من المدن المغربية إلى أن انتقل إلى إحدى مدارس مدينة طنجة في بداية الثمانينيات، ومن ذلك الوقت وهو يعمل بالتعليم النظامي وإلى جانبه يقوم بواجبه في تدريس مختلف العلوم الشرعية واللغوية بمراكز التعليم العتيق وفق نظام الحلقات العلمية متفانيا في ذلك بادلا كل الجهود.
وإن المقام يضيق عن ذكر ما درسه عالمنا الجليل من جليل العلوم من فقه ونحو وبلاغة وأصول وحديث وتفسير ومنطق وغير ذلك.
ويكفي أن هذا العالم الجليل ختم مع طلبته صحيح البخاري وغيره من العلوم والفنون عدة مرات علما بأن ختمة واحدة تعد بمقياس المعرفة فائدة لا تعدلها فائدة، فكيف إذا تم إعادة الختم مرة بعد مرة فكم من غامض يتجلى وكم من مبهم يتضح وكم من مشكل يحل وخفي يظهر وجلي يتحول إلى سجية من سجايا الرجل وخصلة تنضاف إلى خصال نفسه الحميدة.
إن الحديث مع هذا الشيخ الجليل يقودك إلى الاقتناع بأن هذا الرجل تصارعت حوله أمور كثيرة رجاء الظفر به والانفراد بشخصه، ولذلك فلا غرابة أن رأينا أن الغلبة في النهاية كانت للعلم على حساب أمور أخرى أهمها: حظ النفس من الحياة ومتاعها، لكنه فضل أن يعيش للعلم وبالعلم وبالدرس وللدرس، وإن النظر إلى وجهه الصبوح يبوح لك بكل شيء ويمكنك من أن تقرأ على محياه أن العلم حياة وأي حياة، فيها تجتمع كل المتع وتنتهي كل الملذات. كيف لا وهو ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أمانة يتحملها الخلف عن السلف، لهذا فإن هذا الشيخ هو بقية من تبقى ممن سلف من العلماء، سلسلة طويلة يتصل بها اللاحق بالسابق إلى أن تنتهي وفق قواعد السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن هذا المجلس كان مناسبة تحدث فيها الشيخ عن أسلافه وشيوخه معددا خصالهم وسجاياهم ذاكرا بعض نوادرهم وطرائف مما شاهده عنهم، وهذا يدل على أن ما يؤخذ عن العالم ليس العلم فقط وإنما تؤخذ عنه أحواله وسجاياه، وأحيانا تكون السجية أنفع من العلم إذا ازداد بها المرء وقارا وأضافت إليه هيبة وازداد بها معرفة بنفسه بما لها وما عليها.
كما تحدث الشيخ عن بعض الملامح الاجتماعية التي تميز قرى ومداشر منطقة أنجرة على مر الزمان، ومنها التعاون على البر والتقوى، وإغاثة الملهوف، وإطعام الطعام والكرم والإيثار، والمبادرة إلى النجدة وتقديم المساعدة لمن يحتاجها، والتآزر عند الملمات، والاجتماع في الجنازات، وغير ذلك من أنواع المعروف التي تحدث عنها الشيخ كأمور ينبغي أن تستمر كسمات تميز المنطقة وأهلها.
ولم يفت الشيخ الجليل أن يثني على مبادرة المجلس بزيارة العلماء والتواصل معهم والوقوف على أحوالهم والإصغاء إليهم ونقل تجاربهم وأخبارهم إلى الناشئة وإلى عموم الناس داعيا إلى الإكثار من هذه المبادرات، لأهميتها البالغة في توطيد الصلة بين العلماء والمؤسسة العلمية لما فيه خير البلاد والعباد.
وختم هذا اللقاء بالدعاء لأمير المؤمنين بالنصر والتمكين وأن يقر عينه بولي عهده وسائر أفراد أسرته الكريمة.
وقبل وداعنا لهذا العالم الجليل سلم السيد رئيس المجلس العلمي المحلي شهادة تقديرية للشيخ الجليل وبعض إصدارات المجلس.
وقد حضر هذا اللقاء بالإضافة إلى السيد الرئيس كل من السيد المندوب الإقليمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وأعضاء المجلس وبعض المرشدين.
وإن المجلس العلمي يشكر الشيخ الجليل سيدي محمد بنعليلو على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة مع الدعاء له بالصحة والعافية والبركة في العمر.
وكتبه الدكتور عبد اللطيف البغيل، عضو المجلس العلمي لإقليم الفحص أنجرة.