تكريم العلامة سيدي عبد المجيد بن الحسن ازميزم

كلمة الأستاذ: أحمد التوزاني
عضو المجلس العلمي المحلي لإقليم الفحص أنجرة

في ذكرى تكريم العلامة سيدي عبد المجيد بن الحسن ازميزم

المتوفى يوم 04 ربيع الثاني عام 1421 ﻫ الموافق ل 07 يوليوز سنة 2000 م

بسم الله الرحمان الرحيم

الحمد لله ولي المومنين المتقين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين المخاطب بقول الله رب العالمين إذ أمره بتحدي المشركين ” قل ادعوا شركائكم ثم كيدوني فلا تنظرون (195) إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) من سورة الأعراف . وعلى آله الطيبين الطاهرين والرضا عن أصحابه الهداة المهتدين وكل من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد , فموضوع كلمتي : ” الفقيه عبد المجيد ازميزم الشيخ الرباني ”
لقد لقد عرفت السيد عبد المجيد ازميزم عام خمسة وتسعين وثلاثمائة وألف من الهجرة الموافق لسنة خمس وسبعين وتسعمائة وألف من الميلاد في مسجد قريته المشهورة : ” فدان شابو ” فدرست عليه علوما في اللغة العربية والشريعة الإسلامية ابتداء من التاريخ المذكور إلى عام تسعة وتسعين وثلاثمائة وألف من الهجرة الموافق لسنة تسع وسبعين وتسعمائة وألف م . وخلال دراستي عليه هذه المدة القريبة من أربع سنوات تعلمت منه ما دعاني إلى اختيار هذا الموضوع: ” الشيخ الرباني ” ، إذ الشيخ يطلق عند علماء الشريعة الغراء على صاحب المكانة من علم أو فضل أو رياسة . وأما الرباني فيطلق عندهم على صاحب الأوصاف الآتية:
– العالم – المعلم – الذي يربي المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها – الراسخ في العلم والدين الذي يطلب بعلمه وجه الله – العامل بعلمه – العالي الدرجة في العلم – العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي – المتأله – العارف بالله تعالى – الحكيم – الموصوف بعلم الرب – الذي يعبد الرب .
ذكر هذه الأوصاف صاحب لسان العرب في مادة ( رب ) وقال سيدي أحمد بن عجيبة في تفسيره:
البحر المديد : عند قول الله تعالى : ” ما كان لبشر أن يوتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون (19) من سورة آل عمران .
قال في تفسير ربانيين : أي علماء بالله ، فقهاء في دينه حلماء على الناس ، تربون الناس بالعلم والعمل والهمة والحال . إلى أن قال : ما زال الفقراء يعظمون أشياخهم ويبالغون في ذلك حتى يقبلون أرجلهم والتراب بين أيديهم ، ويجتهدون في خدمتهم ، فإذا رآهم الأشياخ فعلوا ذلك سكتوا عنهم ، لأن ذلك هو ربحهم وسبب فتحهم ، وفي ذلك قال القائل : بذبح النفوس وحط الرؤوس تصفى الكؤوس. لكنهم يرشدوهم إلى الحضرة حتى يفنوهم عن شهود الواسطة ، فيكون تعظيمهم وحط رأسهم إنما هو لله لا لغيره ، وحينئذ يكونون ربانيين علماء مقربين . انتهى كلامه رحمه الله .
وقال الإمام النسفي في تفسيره قول الله تعالى : ” كونوا ربانيين ” والرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون ، وهو تشديد التمسك بدين وطاعة . إلى أن قال : كانت الربانية التي هي قوة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والدراسة ، وكفى به دليلا على خيبة سعي من جهل نفسه وكل روحه في جمع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل ، انتهى كلامه رحمه الله .
وقال الإمام ابن جرير رحمه الله في تفسيره :
” كونوا ربانيين ” ملخصا ما سبق له ذكره : فالربانيون ‘ذا هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا ، ولذلك قال مجاهد : وهم فوق الأحبار ، لأن الأحبار هم العلماء والرباني : الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم . انتهى كلامه . وأشار ابن جرير بقول مجاهد : وهم فوق الأحبار إلى الربانيين المقرونين مع الأحبار في قول الله تعالى : ” إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيئون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار…. (44) من سورة المائدة .
لقد قضى شيخنا سيدي عبد المجيد ازميزم رحمه الله حياته في تدريس العلوم الشرعية والعربية للطلبة الذين كانوا يقصدونه من جميع أنحاء المملكة المغربية الشريفة .
فكان يعلمهم بأخلاقه وأفعاله كما يعلمهم بأقواله وأفكاره .
كان رحمه الله قمة في التواضع وخفض الجناح للمتعلمين ، إذ كان يأتي مسجد قريته فدان شابو المباركة في حدود الساعة الثامنة صباحا فيضرب باب المسجد بيده ‘إعلاما للطلبة بحضوره ثم يشرع في صلاة ركعات الضحى .
وكان الطلبة يسكنون في بيوت صغيرة بجوار المسجد فإذا سمعوا ضربات الباب بيد الشيخ أسرعوا إلى المسجد حاملين كتبهم ، فيجلس كل واحد منهم في مجلسه الذي يجلس فيه كل يوم ولا يجلس في مكان غيره وكان عدد الطلبة إذ ذاك ما بين الأربعين والخمسين .
وبعد ما يستقر كل طالب في موضعه في غاية من السكون والوقار والإجلال للشيخ يشرع الشيخ في تلقين الدروس.
فكان يفتتح دروسه بدرس من ألفية ابن مالك في النحو والتصريف .
يليه درس من مختصر الشيخ خليل في الفقه المالكي ويختم الفترة الصباحية بدرس من تحفة الحكام فيما يلزم القضاة من الأحكام في مذهب الإمام مالك لابن عاصم رحمهم الله.
وكانت دروس الفترة الصباحية تنتهي عادة عند الثانية عشرة ، وقد تمتد في بعض الأيام إلى فترة الظهر .
ومن كمال تواضعه رحمه الله أنه كان يجلس عند تلقينه هذه الدروس على الأرض متربعا من الساعة الثامنة إلى الثانية عشرة أو ما بعدها لا يقوم من مجلسه إلا لأمر لا بد منه.
وكان يجيب عن أسئلة الطلبة الذين يستفسرونه عن إشكالات تعرض لهم في دروسهم وفي بعض الأحيان كانت اختلافات الطلبة الحاذقين تشتد أمام الشيخ كل منهم يزعم أن الحق معه والشيخ يجيب هذا وهذا بما تطمئن أليه نفس كل واحد منهم ولا يعنف أحدا منهم ، وإذا أحس من بعض الطلبة تكبرا أو إظهار فهمه على الآخرين قرأ قوله تعالى ” كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم “(94) من سورة النساء.
ليشعر كل طالب بأن المنة في كل نعمة لله عز وجل ، ولا يجوز لأحد أن يتطاول على غيره بما من الله عليه .
كما كان رحمه الله يوجه أسئلة اختبارية لبعض الطلبة المبتدئين طالبا منهم أن يجيبوا عنها تشجيعا لهم وتمرينا .
وكان يستأنف تلقين الدروس في الفترة المسائية بعد صلاة الظهر وتناول طعام الغذاء فيدرس مقدمة ابن آجروم في النحو ومتن ابن عاشر في عقيدة الأمام الأشعري وفقه الإمام مالك وطريقة الإمام الجنيد وفرائض علم الميراث بمختصر الشيخ خليل رحمهم الله .
وكانت أيام الدراسة متوالية تبتدئ من صباح يوم السبت وتنتهي بظهر يوم الأربعاء من كل أسبوع .
وكان الشيخ شديد التوكل على الله زاهدا فيما في يد الناس واثقا بما عند الله أكثر مما في يده ، وكان طعامه يصل إلى الطلبة في المسجد كل يوم فكان هو الذي يكرمهم بطعامه ولا يطلب من أحد من الطلبة ولا غيرهم شيئا يستعين به في طعامه أو لباسه ، بل كان يعتمد في رزقه على الله ، والله يرزق من يشاء بغير حساب .

ولا عجب في اتصاف الشيخ رحمه الله بأوصاف الربانيين إذا علمنا أنه درس وتربى على الشيوخ الآتية أسماءهم:

لقد زرت شيخي سيدي عبد المجيد في بيته يوم الثلاثاء 22 ربيع 1 ) 1420 ﻫ – 06 يوليوز1999 م قبل وفاته بسنة فطلبت منه أن يجيز لي أن أروي عنه ما قرأه على أشياخه وأن يذكر لي شيوخه الذين قرأ وتربى عليهم فحدثني أنه قرأ على :

1 ) الشيخ محمد بن سودة المري التلخيص للقزويني .

2 ) الشيخ عباس بناني المنطق بمتن السلم الأخضري .

3 ) الشيخ عبد الله الفضيلي التوقيت .

4 ) محمد علال الفاسي تفسير والسماء ذات البروج .

5 ) أبي الشتاء الصنهاجي التحفة لابن عاصم .

6 ) الفقيه الزيتوني العلوم الشرعية والعربية .

7 ) سيدي محمد بن عجيبة الأنجري .

8 ) الفقيه الخياط الأنجري .

9 ) الفقيه بن عيلا بدوار أولاد بني عيزة النحو .

10) الفقيه سي عبد الرحمان العروسي بالساحل العلوم الشرعية .

11 ) الفقيه سي المفضل السريفي بعين ميمون النحو .

12 ) عبد السلام بناني مختصر خليل .

13 ) سي عبد الكريم الداودي التحفة لابن عاصم .

14 ) سي محمد العلمي التوتيق .

15 ) سي عبد الرحمان الغريسي المنطق

رحمهم الله أجمعين

وانتقل شيخنا إلى جوار ربه راضيا مرضيا مساء يوم الجمعة 04 ربيع 2 ) 1421 ﻫ الموافق 07 يوليوز 2000 م رحمه الله رحمة واسعة ونفعه بما علم وعلم .